محمد ابو زهره
594
خاتم النبيين ( ص )
وإن ذلك بلا ريب إصلاح اجتماعي خطير ، لأنه يحمى الإنسان من أخيه الإنسان ولأنه بقيام القصاص تكون حياة كريمة آمنة لا اعتداء فيها ولا إفساد ؛ ولأن ذلك إبطال للعادات الجاهلية التي كان يقتل فيها الألف بالواحد ، ولا يقتل قاتل الكبير ، بل يقتل من يرى أهله أو قبيله قتله ممن يحسبون أن يكون له كفئا ، ولا يرضون أن تكون النفس بالنفس . ولقد كان في القصاص قتل الروح الحسد والحقد في النفس ، أو تخفيف لآثار الحسد ، أو حمل للحسود على أن يضبط نفسه ، إذ يرى العقاب يترصده ، ولقد قال اللّه سبحانه وتعالى عن أثر الحسد الذي حمل قابيل على أن يقتل هابيل أخاه التقى الذي تقبل اللّه سبحانه وتعالى قربانه : مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ ، فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ، وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ( المائدة - 32 ) . وإن أحكام الديات بأنواعها كما ذكرنا تابعة لأصل الحكم بالقصاص في هذه الآية ، وقد بينت آية القصاص في التوراة أن شريعة النبيين في التوراة القصاص ، واستمرت في الإسلام ، فقال اللّه سبحانه وتعالى في سورة المائدة وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ، وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ ، وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ ، وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ ، وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ ، فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( المائدة - 45 ) . وبهذا يتبين أنه في الفترة بين الغزوتين كان الإصلاح الاجتماعي بإقامة العدل بين الناس ، وسن سنة القصاص ، وبيان الديات ، حيث لا تتوافر شروط القصاص ، أو حيث لا يمكن ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . بناء علي بن أبي طالب بفاطمة رضي الله عنهما : 402 - في هذه السنة بعد غزوة بدر بنى علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه بفاطمة الزهراء رضى اللّه تبارك وتعالى عنها وصلى اللّه وسلم على أبيها سيد الخلق أجمعين . وقد روى البخاري بسنده في ذلك عن علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه : قال : كان لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر ، إذ كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قد أعطاني شارفين مما أفاء اللّه من الخمس يومئذ - فلما أردت أن أبنى بفاطمة بنت النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وأعدت رجلا صواغا من بنى قينقاع أن يرتحل معي فنأتى بأذخر ( نبات نفيس بالصحراء ) فأردت أن أبيعه من الصواغين ، فأستعين به في وليمة عرسي فبينا أنا أجمع لشارفى من الأقتاب والغرائر والحبال ، وشارفاى مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار ، حتى جمعت ما جمعت فإذا بشارفى قد أخبت ( أي قطعت )